حان اوان الرحيل انا
انتظر قطار المسير ، احمل حقيبة سوداء صغيرة، لها عجلتان تسهلان جرها، داخلها
القليل من الثياب و ادوات الزينة و العطور، انظر الى ساعتي هي الحادية عشرة الا
ربع صباحاً ، صوت ابنتي لا زال في اذني ، و هي تقول "وداعاً يا امي "
.... "كلميني عندما تصلين" ....صراخ ابنها الرضيع لا زال حاضرا يشرخ
اذني ... نظرت الى الرصيف ، كان يعج بالمسافرين ، الذين بدأوا يزدادون و هم
يدحرجون حقائبهم ... لغاتهم المتعددة ... تشابك كلماتهم الغير مفهومة ... اصواتهم
التي تعلوا و تخفت و هم يتحادثون ... نظرت اليهم ... ما من احد قد انتبه اني جالسة
على مقعد انتظار لوصول قاطرة ... كانت الصافرة تعلوا بشكل صادم ... ووقفت الماكينة
جانبي ثم فتح الباب ...صعدت لاجلس باول مقعد وجدته ، ورائي كان الكثيرين الذين دخلوا
و ملئوا المقاعد الجلدية ... كانت الاشارات الضوئية بوجهي تعلن اسم المحطة كتابيا باللغة
الانكليزية .
كان شعرها الاسود الطويل المنسدل مميزاً، ربما هي في
اواخر مراهقتها ، السادسة عشرة او السابعة عشرة ، في يديها كانت علبة تحوي مناديل ورقية
مزركشةً بالوان ، كانت تمر من امام الراكبين على الجانبين ، عارضة بضاعتها ، دون
ان تنبس ببنت شفة ، و احياناً كانت تلقي بالكيس بيد الزبون ، ليفغر فاهه مندهشاً ، ثم يبتسم و قد فهم انها
تريد بيعه اياه ، و عندما تنهي دورة الصف المواجه لها ، تعاود نفس العملية لتأخذ
مالها او بضاعتها .
توقف
القطار و نزلت ، ورغم الزحام المرافق لخروجها ، كانت عيناي تتبعها ، ها هي تدخل من
باب ثاني، للعربة التي تليها ، راقبت
الشاشة ، كانت تظهر اسم المحطة ، و اخذت احسب المحطات المتبقية و الوقت اللازم لاصل
بيت ابني .
انه
يبيع الموسيقى ، كم ان مزماره لشجي ، من اي من البلاد العربية ، انت يا ولدي ،
ذكرتني ببلاد تركتها ، و احياء احببتها ، فتحت حقيبتي لاجد احدى العملات المعدنية،
وقفت و اتجهت الى المكان الذي يقعد فيه على الارض ، ووضعت العملة في الكوب الذي
يحمله ، ابتسم و ضرب بمزماره لحناً يشبه شكراً ، كم هو بارع في عزفه .
عدت
الى مقعدي ، و قلت لنفسي ربما يجب ان اعود الى بيتي القاطن في ضيعتي المنسية ، خلف
التلال .
محطة
جديدة ، و الموسيقي اليافع خرج من الباب مع المندفعين الى الخارج ، جد شيء جديد
على الاحداث ، صوت المذيع يقول اسم المحطة .
- لا
زال علي محطتين لاصل .
هذه المرة البائع
يبيع الات تكنولوجية صغيرة، دمى تتحرك ،
مراوح صغيرة ، دب يرقص و يصفق ، دمية فتى تضحك ، عروس تبكي ... اصوات و العاب تشعرك
بطفولتك البعيدة . كنت اتفاوض على سعر احدى لعبه ، و كانت قهقتها تطربني ، امسكتها
باعتزاز ، كأني امسك حفيدي ....
لكن صوت العربة التي كانت تمشي مسرعةً اقلقني ، كانت
السلاسل تتحرك بشكل صارخ ، يجعلك متوتراً حتى ان الركاب تشبثوا بقوة بما يقرب منهم
.
اخذ القطار ينحرف عن مساره بسرعة مرعبة ، حتى ان
الاشجار اختلط ببعض ، و ساوت الارض ، وقع الركاب المحيطين بي بعضهم البعض .
دميتي اصبحت حزينة ، ووجهها بائس وقد تهشم من الصدمة
، الكرسي المقابل لي كان هيكلاً بلا جوانب ، و انا كنت اتشبت ببقايه ... المزمار
الحزين كان يتصاعد صوته من العربة المحاذية ... مغنية صغيرة كانت تغني بصوت
انكليزي شجي ... تقول " اه يا ربي "... واصل القطار طريقه الهستيري
....وجوهوهم كانت صفراء ...صراخ اطفال ... ربما هو ارتطام بالرصيف ... انا اغيب في
الغياهب ... و استيقظ وانا على عربة
المسعف ... الذي ينقلني الى المشفى ... ايد حنونة ... ضمادات بيضاء.. رائحة الكحول
القوية ... اعود مجنحة الى بلادي ... الى حقول قمح مروية ... و سيارات لصبية صنعوها
يدوياً ... و فتية يلعبون بدوائر زجاجية يسمونها
"قلل" ... و فتيات جدلت و سرحت امهاتهم شعورهم بقوة ... ووضعت عليها
شرائط ملونة ... حتى صرنا عرائس تلعب وسط دوائر هندسية ... و كان الكبار من
الاطفال يركضون على الطرقات بوجوه حيية ..
وفاء احمد بزي
كتبت شهر ايلول لسنة 2024
تعليقات